سيد محمد طنطاوي

312

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قلت : المعنى على إذا ، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار اللَّه - تعالى - متيقنة مقطوعا بها ، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد . والمعنى على الاستقبال . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ) * تبكيت وتأنيب لهم . أي : ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم : أين تلك الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون اللَّه ، لكي تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذي نزل بكم ؟ . وقوله * ( قالُوا ضَلُّوا عَنَّا ، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً . . . ) * حكاية لجوابهم الذي يدل على حسرتهم وبؤسهم . أي : قالوا : ذهبوا وضاعوا وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا ، ولا هم يعرفون عنا طريقا ، ثم أضربوا عن هذا القول توهما منهم أن هذا الإضراب ينفعهم فقالوا : بل لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا يعتد به ، وإنما كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهاما وضلالا . . وقوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّه الْكافِرِينَ ) * أي مثل هذا الضلال البين والتخبط الواضح ، يضل اللَّه - تعالى - الكافرين ، ويجعلهم يتخبطون في إجابتهم على السائلين لهم . ثم بين - سبحانه - الأسباب التي أدت بهم إلى هذا العذاب المهين فقال : * ( ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) * وقوله : * ( تَمْرَحُونَ ) * من المرح وهو التوسع في الفرح مع الأشر والبطر . أي : ذلكم الذي نزل بكم من العذاب ، بسبب فرحكم وبطركم في الأرض بالباطل ، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم فيها . وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك : ادخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم ، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا ، فبئس * ( مَثْوَى ) * أي : مكان * ( الْمُتَكَبِّرِينَ ) * عن قبول الحق جهنم . وقال - سبحانه - * ( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) * ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين ، للإشارة إلى خلودهم في جهنم ، إذ الثواء معناه الإقامة الدائمة ، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة . ثم ذكر اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم الوصية بالصبر فقال : * ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ، ) *

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 178 .